الشيخ جواد بن عباس الكربلائي
363
الأنوار الساطعة في شرح زيارة الجامعة
فقال : " أشهد الله . . إلخ " . فإن قلت : فلم لا يقول لله تعالى : " بأبي أنت وأمي . . . إلخ " ، مع أن ملاك كونه مفدى لما ذكر أعلى ، وأكبر مما فيهم عليه السّلام ؟ قلت : السرّ في ذلك أن التفدية إنما تصحّ لمن كان بذاته معرضا للهلاك ، أو زوال ما به من الصحة والنعمة ، وإن كان محفوظا بالعصمة وباللطف الإلهي ، ومن المعلوم أنه تعالى ليس كذلك ، فإنه تعالى وإن كان أعز ممن سواه ، إلا أنه لا يحوّل ، ولا يجوز التحول عما هو عليه ، لأن ذاته المقدسة وصفاته ذاتية ، فهو بما هو هو أبدي سرمدي ومع ذلك أنا أقول : روحي ونفسي ومالي وأهلي وأسرتي لاسمه الفداء . وما ذكر فإنما هو بلحاظ العرف ، وما هو دأب العامة من المؤمنين ، وأما العاشقون له تعالى فهم لا يحومون إلا حومه ، ولا يرون لأنفسهم ولما تتعلق بهم قيمة حتى يفدوها له تعالى ، ومع ذلك فهم يبذلون أنفسهم وما لهم لسماع ذكر محبوبهم ، أما سمعت تفدية إبراهيم عليه السّلام نفسه وولده وماله له تعالى فإنه عليه السّلام هيّأ نفسه لأن تحرق ، وفدى ولده إسماعيل ، وأعطى ماله لمن ذكر اسم محبوبه كما لا يخفى . قوله عليه السّلام : أشهد الله وأشهدكم أني مؤمن بكم وبما آمنتم به ، كافر بعدوّكم وبما كفرتم به أقول : أني مؤمن بكم ، أي بإمامتكم ، ووجوب طاعتكم وفضلكم . وقال الشارح المجلسي رحمه الله : " بأبي أنتم " ، أي أفديكم أبي وأميّ ، أشهد الله لما أراد مخاطبتهم بالشهادة فداهم بأبيه وأمه ، وأشهد كما هو المتعارف عند العرب ، أشهد الله تعالى وإياهم أنه مؤمن بهم وبجميع ما آمنوا به مجملا وإن لم يعلم تفاصيله ، كافر أي جاحد وعدو لأعدائهم كما قال تعالى : فمن يكفر بالطاغوت ويؤمن با لله فقد استمسك بالعروة الوثقى 2 : 256 ( 1 ) .
--> ( 1 ) البقرة : 256 . .